فيليب ميريوه
إقرأ أيضا: كيف يمكن نقل القيم المدرسية؟
الطيور على أشكالها تقع. هذا من نافلة القول، ويشكل على
ما يبدو القاعدة الأساسية للتجمعات الإنسانية: عشائر، قبائل، تجمعات، رابطات،
مجتمعات، اتحادات، أمم وتحالفات على اختلاف أنواعها. في كل مكان يلتئم الناس
بينهم، يجتمعون، يتجندون تحت راية الهوية. أو، على وجه التحديد، يضعون هويتهم على
المحك بنفس الطريقة: «نعيش معا لأننا متشابهون. لا
نتشابه تماما بالطبع: الأمر جد مستحيل ويتحول بسرعة إلى زواج مميت بين الأقارب.
لكننا، وعلى كل حال، نفعل ذلك بما يكفي قدر الإمكان، وذلك كي تستمر المجموعة ولا
تؤدي الفوارق إلى نشوء خلافات. بما يكفي حتى لا تتأثر فعالية الجماعة بالانشقاقات
الداخلية. وحتى، كما يقول علماء النفس، لا تتسبب ال«مجموعة القاعدية» -المتكونة من
شبكة العلاقات الوجدانية- في انفجار «فريق العمل». على القدر الذي يكفينا كي ننتج
مجتمعين قواعدَ، وعملا وأثرا ابداعيا. ولتحقيق هذا، نحن في حاجة إلى شيء مشترك. شيءٌ
ما يميزنا. شيءٌ ما يفردنا عن باقي المجموعات...» إذِ الإنسان، حتى وإن رفض أن يُختزل
في هويته الجماعية، فإنه، في الغالب، لا يتصور اندماجه داخل المجموعة إلا في إطار
مجتمعي.
صحيح أن هناك تكتلات عشوائية ومؤقتة، مثل مجموعة الأشخاص
المنتظرين للحافلة والتي يسميها سارتر بال«سلسلة»، وذلك حتى يحتفظ بمصطلح المجموعة
لما بدا له أنه يشكل مكونا أكثر دينامية. لكن، وعلاوة على أن ال«سلسلة» ماتزال
تمتلك شيئا يوحدها - انتظار الحافلة مثلا-، فهي في الحقيقة تُعاش، على الأقل،
كتنازلات وظيفية صرفة لما بقي يشكل قاعدة ذهبية: يتم التجمع سوية لوجود تشابه، ولتقاسم
نفس التاريخ والاستمرار في تحقيق نفس المشروع.
في هذا الصدد، ألا يلاحظ بشكل كاف أن التجمعات المدرسية،
إلى جانب هيئة المحلفين، هي التجمعات الإنسانية الوحيدة التي تصنع فضيلة
العشوائية؟ إن القسم المشترك الذي وضعه جول فيري يمثل بوتقة ينصهر بها أشخاص نعرف
أنهم -ويريدون أن يكونوا كذلك- مختلفون جذريا عن بعضهم البعض، سواء على المستوى
الاجتماعي أو الأيديولوجي. فكل مؤسسة عمومية لا تفرض اليوم، من حيث المبدأ، أي
وحدة «تجمعية» على تلامذتها تخالف القطاع المدرسي المناسب لها. في مؤسسة تحترم
التعليمات الرسمية، تقام فصول السادسة على هدف إقامة توازن بينها بشكل رسمي. ذلك
أنه في الـمدرسة، ليس من الضرورة وجود تشابه بيننا وأن نحب، بشكل مسبق،
بعضنا البعض كي نعمل وننجح معا.
إقرأ أيضا:
هذه طريقة أخرى
لقول ما يميز المدرسة عن غيرها من المؤسسات: فالقسم ليس تجمُّعا. مهمة المدرسة الجمع،
حول مواضيع ثقافية مشتركة، بين أشخاصٍ كان عليهم العيش في مكان آخر وبشكل مختلف.
هذه الفوارق ذاتها هي التي تعطي للمواضيع الثقافية كل وزنها الكوني. كلما زاد
اختلافنا عن بعضنا كلما كان ما نتعلمه مجتمعين، ما نستثمره لتعلمه، ما ندركه،
يجمعنا تحت يافطة الكونية. أما إن كنا، على العكس من ذلك، مجموعة «متجانسة»،
يوحدنا التلاحم الاجتماعي أو التفاهم الثقافي، فإن الأشياء التي ندركها ستكون دوما
مشتبها في كونها ملكا حصريا لنا. ومع ذلك، إن كان الكثيرون، من حيث المبدأ، مستعدين
للاعتراف بفضيلة عدم التجانس، فإنهم هم أنفسهم يعتبرون أنه، في الواقع الملموس، «يتعين
حقيقةً أن نكون واقعيين» وألا نصوغ أهدافا غير قابلة للتحقيق: «إننا لا نعرف تدبير
أقسام مشتركة! البيداغوجية الفارقة مستملحة حلوة لم تتجاوز أبدا الدائرة السرية المرسومة
لمجموعات التكوين. قد يقال أنه لأجل ممارسة وفعالية أفضل أن يكون لدينا تلاميذ من
نفس المستوى...». لكننا، وبعد الفحص الدقيق، سنجد أن عدم التجانس لم يسبق له أبدا أن شكل مشكلة للمدرسين: لقد كان موجودا بالأقسام المشتركة في البادية؛
وهو موجود اليوم في كل مكان، بما في ذلك الوضعيات الأكثر انتقائية. ذلك أن الذي
يشكل، حقيقة، مشكلةً، وما يثير أسئلةً ويزيد من الاعتراضات لا يتحدد في عدم تجانس
المستويات -الذي قد نهمله أو نركز عليه لحله بشكل أفضل-، وإنما عدم تجانس السلوكات
المنشطة للوسط المدرسي. قد كان عدم التجانس موجودا بالأقسام المشتركة سابقا، وفي
الأقسام الثانوية الراقية، وقد تم احتواؤه من خلال تجانس السلوكات والالتزام
الموحد تجاه المعايير المدرسية. ويحيل هذا التجانس، بطبيعة الحال، على توافق
أيديولوجي يتجاوز كل الفوارق الاجتماعية.
تغيرت الحال
اليوم تماما. الندم عليه ليس عديم الفائدة فحسب بل خطير أيضا. ذلك أن الرغبة في
التجانس تُدمر المدرسة نفسها. حين يكون التجانس إيديولوجيا فإنه يجعل المدرسة
مكانا للاحتجاز، بل وحتى للتجنيد: فلا يستطيع التلميذ معانقة أفكارٍ جديدة غير
أفكاره، ويظل خاضعا للأيديولوجية المهيمنة. وحين يكون التجانس اجتماعيا، فهو يحول
المدرسة إلى غيتو: حيث يعيش التلميذ رهن الإقامة الجبرية، تجعل آفاقه محدودة بفعل
قدرية إعادة الإنتاج الاجتماعي. وحين يكون التجانس نفسيا، فهو يجعل المدرسة كشرنقة
دافئة: فيكون بها التلميذ معزولا تماما، في مأمن من كل اكتشاف جديد يفتح أمامه
آفاقا جديدة. وحين يكون التجانس، في الأخير، فكريا، فهو يحول المدرسة إلى فضاء
فقير، دون تفاعلات محتملة، دون إمكانية لجعل معارفها تحت مراقبة دقيقة من تلاميذ
آخرين، أكثر ضعفا أو قوة، يفكرون بشكل مغاير ويدركون الأمور بطريقة مخالفة. وفي
جميع الأحوال، فالتجانس، في الحقيقة، يحيل على أسطورة الهوية التي تناقض تماما المؤسسة
المدرسية نفسها، على عكس الـمدرسة التي يتم مأسستها: «لا نتعلم بشكل جيد
إلا إن كنا متماثلين. لا نتعلم جيدا إلا إن كنا متشابهين.» وهذا ما يخضع، في حالته
القصوى، إلى ذات المنطق للإيديولوجيات الأكثر إثارة للاشمئزاز: «أنت مثلي خارج
الغربة والغرباء...».
الطائفية communautarisme، بجميع أشكالها، تقتل الـمدرسة وتحُول دون إقامة مجتمع
علماني. المجتمع الذي يتيح لكل فرد فرصةَ التخلص من قبضة الجماعات الراغبة في
الاستيلاء على عقله، وتُنفِّره من عقله النقدي وحريته.
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصدر: https://www.meirieu.com/ARTICLES/pedagogie_innovation_finalites.pdf